ابن ميثم البحراني
359
شرح نهج البلاغة
منقطعا بهم : أي لا يجدون بلاغا يوصلهم إلى المقصد لأنّ الشرط هو البلاغ إلى المقصد الحقيقيّ . ثمّ شرع في النهى عن النفاق لأنّ تهزيع الأخلاق تغييرها ونقلها من حال إلى حال وهو معنى تصريفها ، وذلك هو النفاق . إذ المنافق لا يلزم خلقا واحدا بل تارة يكون صادقا ، وتارة كاذبا ، وتارة وفيّا ، وأخرى غادرا ، ومع الظالمين ظالم ، ومع أهل العدل عادل ، ولذلك قال : واجعلوا اللسان واحدا ، وهو شروع في الوصيّة بحال اللسان وعد له : أي لا يكوننّ أحدكم ذا لسانين وهو المنافق . . ثمّ أمر بخزنه واستلزم النهى عن أمور ، وهي الفضل من القول ووضعه في غير مواضعه والغيبة والنميمة والسعاية والمسابة والقذف ونحوه ، وكلَّها رذائل في طرف الإفراط من فضيلة العدل . وقوله : فإنّ اللسان جموح بصاحبه . تعليل لذلك النهى ، وإشارة إلى خروجه بصاحبه عن فضيلة العدل إلى الرذائل الَّتي هي موارد الهلكة في الآخرة والدنيا كما أنّ الفرس الجموح مخرج بصاحبه إلى الهلاك ، ولفظ الجموح مستعار له بهذا الاعتبار . ثمّ أقسم أنّه لا متّقى ينفعه تقواه إلَّا بخزن لسانه ، وهو حقّ لأنّ التقوى النافع هو تقوى التامّ ، وخزن اللسان وكفّه عن الرذائل المذكورة جزء عظيم من التقوى لا يتمّ بدونه فهي إذن لا ينفع إلَّا به . ثمّ نبّه على ما ينبغي عند إرادة القول من التثبّت والتأمّل ما يراد النطق به وعلى ما لا ينبغي من القول بغير مراجعة الفكر ، وقرن الأوّل بالإيمان ترغيبا فيه ، والثاني بالنفاق تنفيرا عنه . وقوله : لأنّ المؤمن . إلى قوله : وما ذا عليه . بيان لمعنى كون اللسان وراء وأماما ، وتلخيص هذا البيان أنّ الوراء في الموضعين كناية عن التبعيّة لأنّ لسان المؤمن تابع لقلبه فلا ينطق إلَّا بعد تقديم الفكر فيما ينبغي أن يقوله ، وقلب المنافق وذكره متأخّر عن نطقه فكان لفظ الوراء استعارة من المعنى المحسوس للمعقول فأمّا الخبر النبويّ المذكور فهو استشهاد على أنّ الإيمان لا يتمّ إلَّا باستقامة اللسان على الحقّ وخزنه عن الرذائل